الغزالي

24

إحياء علوم الدين

أراذل الناس ، أو على الافتداء بمن هو أعز أصناف الخلق عند الله ، حتى يهون عليه بذلك الصبر على الضنك ، والقناعة باليسير ، فإنه إن تنعم في البطن ، فالحمار أكثر أكلا منه . وإن تنعم في الوقاع ، فالخنزير أعلى رتبة منه . وإن تزين في الملبس والخيل ، ففي اليهود من هو أعلى زينة منه . وإن قنع بالقليل ، ورضي به ، لم يساهمه في رتبته إلا الأنبياء والأولياء الخامس : أن يفهم ما في جمع المال من الخطر ، كما ذكرنا في آفات المال ، وما فيه من خوف السرقة ، والنهب ، والضياع . وما في خلو اليد من الأمن والفراغ . ويتأمل ما ذكرناه في آفات المال ، مع ما يفوته من المدافعة عن باب الجنة إلى خمسمائة عام ، فإنه إذا لم يقنع بما يكفيه ، ألحق بزمرة الأغنياء ، وأخرج من جريدة الفقراء . ويتم ذلك بأن ينظر أبدا إلى من دونه في الدنيا لا إلى من فرقه . فإن الشيطان أبدا يصرف نظره في الدنيا إلى من فوقه فيقول لم تفتر عن الطلب ، وأرباب الأموال يتنعمون في المطاعم والملابس . ويصرف نظره في الدين إلى من دونه فيقول ، ولم تضيق على نفسك وتخاف الله ، وفلان أعلم منك وهو لا يخاف الله ، والناس كلهم مشغولون بالنعم ، فلم تريد أن تتميز عنهم . قال أبو ذر [ 1 ] أوصاني خليلي صلوات الله عليه ، أن أنظر إلى من هو دوني ، لا إلى من هو فوقى . أي في الدنيا . وقال أبو هريرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إذا نظر أحدكم إلى من فضّله الله عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممّن فضّل عليه » فبهذه الأمور يقدر على اكتساب خلق القناعة . وعماد الأمر الصبر وقصر الأمل ، وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أيام قلائل ، للتمتع دهرا طويلا ، فيكون كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء ، لشدة طمعه في انتظار الشفاء بيان فضيلة السخاء اعلم أن المال إن كان مفقودا . فينبغي أن يكون حال العبد القناعة وقلة الحرص .